موضوع عشوائي

آخر المواضيع

سلسلة الردود العلمية 8-رسالة في الرد على الليبراليين 1

بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين ، وبعد ...
فقد تردد على أسماع المسلمين كثيرًا وبخاصة في الأيام السابقة مصطلح الليبرالية ، وبصورة مباشرة أو غير مباشرة وجدنا كثيرا من دعاة هذا الفكر يرفضون هيمنة الإسلام على أكثر شئون الحياة في الدولة المسلمة ؛ فما هي الليبرالية ؟ ، وما هي أهدافها وأخطارها ؟ ، وهل الإسلام يؤيدها أم يرفضها ؟ ، هذه رسالة موجزة في الليبرالية ولعل الله أن ينفع بها المسلمين عامة والليبراليين خاصة . وبالله التوفيق .

الليبرالية مصطلح أجنبي معرب مأخوذ من (liberalism) في الإنجليزية ، و (liberalisme) في الفرنسية ؛ وتعني التحررية ، فهي مشتقة من (liberty) في الإنجليزية ، أو (liberte) في الفرنسية ، ومعناها الحرية . ويرجع أصل اشتقاق كلمة ليبرالية إلى ( (liberوهي كلمة لاتينية تعني الحر .
وهذا المذهب الفكري يدعو إلى الحرية الفردية ، ويدافع عن استقلال الأفراد ، وحريتهم الشخصية والفكرية والتعبيرية ، ويسعى إلى تقليص دور السلطة سواء كانت سلطة حكومية أو سلطة دينية ، إذن الليبرالية تسير مع العلمانية - بفتح العين - في هذا الاتجاه في فصل الدين عن الدولة ، تقول الموسوعة الأمريكية الأكاديمية : ((إن النظام الليبرالي الجديد (الذي ارتسم في فكر عصر التنوير) بدأ يضع الإنسان بدلا من الإله في وسط الأشياء ؛ فالناس بعقولهم المفكرة يستطيعون أن يفهموا كل شيء ، ويمكنهم أن يطوروا أنفسهم ومجتمعاتهم عبر فعل نظامي وعقلاني . ا . هـ ، ((وقد أطلق مصطلح الليبرالية على عدة أمور ، من أهمها : حركة فكرية ضمن البروتستانتية المعاصرة ، وسميت بالليبرالية ؛ لأنها تعتمد على حرية التفكير ، وانتهاج الفكر العقلاني في التعامل مع النصوص الدينية ، يقول برتراند راسل : (بدأ يظهر في أعقاب عصر الإصلاح الديني موقف جديد إزاء السياسة والفلسفة في شمال أوروبا ، وقد ظهر هذا الموقف بوصفه رد فعل على فترة الحروب الدينية والخضوع لروما مركزا في انجلترا وهولندا ... ويطلق على هذا الموقف الجديد تجاه مشكلات  الميدان الثقافي والاجتماعي اسم الليبرالية ، وهي تسمية اقرب للغموض ، ثم قال : والواقع أنها أقرب بكثير إلى أن تكون تطورا للفكرة البروتستانتيّة القائلة : عن على كل فرد أن يسوّي أموره مع الله بطريقته الخاصة ، هذا فضلا عن أن التعصب والتزمت يضر بالأعمال الإقتصادية .    
يقول منير البعلبكي : (كما يطلق لفظ الليبرالية كذلك على حركة في البروتستانتيّة المعاصرة تؤكد على الحرية العقلية ، وعلى مضمون النصرانية الروحي والأخلاقي ، وقد كان من آثار هذه الحركة انتهاج الطريقة التاريخية في تفسير الأناجيل (أي إلغاء مدلول النص الديني وادعاء تاريخيته ؛ ليتوافق مع العصر) ).
وقد نشأت الليبرالية كردة فعل غير واعية بذاتها ضد مظالم الكنيسة والإقطاع ، ثم تشكلت في كل بلد بصورة خاصة ، وكانت وراء الثورات الكبرى في العالم الغربي )) (حقيقة الليبرالية وموقف الإسلام منها (15:12) ) ، وتقول الموسوعة البريطانية : (ونادرا ما توجد حركة ليبرالية لم يصبها الغموض ، بل إن بعضها تنهار بسببه) ، وفيها أيضا : (وحيث أن كلمة Liberty  ((الحرية)) هي كلمة يكتنفها الغموض فكذلك هو الحال مع كلمة ليبرالي ؛ فالليبرالي قد يؤمن بان الحرية مسألة خاصة بالفرد دون غيره ، وأن دور الدولة يجب أن يكون محدودا ، أو قد يؤمن بان الحرية هي شأن خاص بالدولة ، وأن الدولة باستطاعتها أو يمكن استخدامها بمثابة أداة لتعزيز الحرية .
قال الأستاذ سليمان الخراشي : (وقد خرجت أفكار من رحم الحرية التي تعتبر المكون الأساسي لليبرالية مثل الفاشية والنازية والشيوعية فكل واحدة من هذه المذاهب تنادي بالحرية ، وتعتبر نفسها الممثل الشرعي لعصر التنوير وتتهم غيرها بأنه ضد الحرية ، وقد حصل التنازع بين اتجاهات الليبرالية في تكييف الحرية ، والبرامج المحققة لها ، ومن هذا المنطلق جاء المفهوم السلبي ، والمفهوم الإيجابي للحرية .(حقيقة الليبرالية وموقف الإسلام منها (ص 18) ).

ويعتمد الفكر الليبرالي على ثلاثة أشياء الحرية – الفردية – العقلانية .

 أقول وهذا ما رأيناه من دعاة الليبرالية بمصر ، ولكن دعونا نناقش بعض الأمور في تعريف الليبرالية وما تعتمد عليه من أفكار :-  
أولا : اجتماعيا نجد التعريف مطاطيا فما معنى الحرية ، وما ضوابطها ، وهل هناك سقف لهذه الحرية ؟ فلو أجاب الليبراليون بأن الحرية هي انطلاق الإنسان في الحياة بغير قيود ، وأن الليبرالية تحافظ على حقوق الأفراد والأقليات في أن يفعلوا ما يشاءون حتى وإن كان فعلهم مخالفا لأي مذهب ، ونقول هذه ليست حرية ، وإنما هي انفلات وهمجية ، حتى وإن كان الإنسان لا يؤذي الآخرين ، بل يؤذي نفسه فقط ، وهل وضع الليبراليون ضوابط لهذه الحرية ؟ مثلا رجل يعانق امرأة في الطريق أو في التلفاز أمام الناس برضاها ، هل هو بذلك يؤذي نفسه بعلاقة محرمة أم يؤذي الناس ، فإن قيل يؤذي نفسه فقط ، قلت هذا إن كان يفعل هذا الأمر في خفاء ، ولكن ما دام علانية فإنه يؤذي الناس ؛ لأن هذا الفعل بوقاحته سيترتب عليه إثارة لشهوات كامنة عند بعض الأفراد ، وتقليد أعمى ، وإفساد لسلوك الناشئة الصغار ، وخروج المجتمع من إطار الحياء إلى التفسخ والانحلال واللا مبالاة ، وهذا يقود إلى ضياع الأفراد ، ومن ثَمّ ضياع المجتمع ، والواقع خير شاهد على ذلك ، مثال آخر رجل يعتقد معتقدات باطلة وينشرها بين الناس ، هذا في الظاهر أنه حرية ولكن ترك هذا الأمر وغيره يحدث من غير نصح أو توجيه لفاعليه أو وجود رادع أو عقوبة له من السلطة الحكومية ، يحول المجتمع الشرقي إلى مجتمع غربي متحلل لا يأبه للدين أو ينضوي تحت لوائه ، نعم لا يستطيع أي نظام أن يحكم أفكار الناس بالسيف ، ولكن فتح باب الحرية والتحرر بإطلاق يفرز عند كل شخص مفهوما لحريته وفق المعايير التي يمليها عليه تفكيره صحيحا كان أم سقيما ، رغم أن جون لوك وهو من كبار المنظرين للفكر الليبرالي يتفق مع ما قررته ؛ فقد قال في رسالة التسامح (ص 55) :
إن الحاكم ينبغي عليه ألا يتسامح مع الآراء المضادة للمجتمع الإنساني أو مع القواعد الأخلاقية الضرورية للمحافظة على المجتمع المدني ،  ثم ذكر أمثلة لذلك ومنها يفهم : إنه لا يمكن التسامح مع أتباع الديانات الأخرى في الدولة المدنية البروتستانتية : كالكاثوليك لأنهم يتبعون تعاليم بابا الفاتيكان الذي يخضع - بدوره - لأمير إيطالي ، وكالمسلمين الذين يتبعون تعاليم مفتي القسطنطينية الذي يخضع للسلطان العثماني ، ثم يقول : وأخيرًا لا يمكن التسامح على الإطلاق مع الذين ينكرون وجود الله . فالوعد والعهد والقسم ، من حيث هي روابط المجتمع البشري ليس لها قيمة بالنسبة للملحد . فإنكار الله ، حتى لو كان بالفكر فقط ، يفكك جميع الأشياء . 
وفي رسالته (الحكومة المدنية) (ص 15،14) ينقل لوك عن هوكر قوله : إن الحافز الطبيعي قد دفع الناس إلى الإيمان بأن واجبهم نحو حب الآخرين ، لا يقل عن واجبهم نحو حبهم لأنفسهم ، وحيث أن مبدأ المساواة يقتضي من الأفراد المتساوين الخضوع لقانون واحد ، فإنني إذا كنت لا أملك تحقيق الخير لنفسي كما يملك غيري ، فكيف يمكنني إرضاء أي رغبة من رغباتي ما لم اكن حريصا على غرضاء الرغبات المماثلة للآخرين ، وهي رغبات حقيقية ؛ لأنها تحمل طبيعة رغباتي . إن حصول الآخرين على ما يتعارض ورغباتهم لا بد أن يثير في نفسي من الحزن ما يثير في نفوسهم ، إذ يجب أن انتظر العقاب لو تسببت في إيقاع الأذى بالآخرين )) ثم يعقب لوك فيقول : ورغم أن هذا معناه الحرية إلا أنها ليست حرية مطلقة ؛ إذ أن لها حدودا لا يمكن للمرء أن يتخطاها ؛ فهو لا يملك حرية قتل نفسه ، وكذلك بالنسبة لما يمتلكه ، اللهم إلا إذا كانت المصلحة تقتضي ذلك . وللطبيعة قوانينها التي يخضع لها كل إنسان : فالجميع متساوون مستقلون، وليس لأحد أن يسيء إلى أخيه في حياته ، أو في صحته ، أو حريته ، أو ممتلكاته ؛ فالناس جميعا عاملون في هذا الكون الذي صنعه الخالق ، وأتى بهم على خضمّة ؛ لأنه شاء ذلك ، أتى بهم لكي يعملوا من أجله ، فهو مالكهم الذي يوجههم كيفما شاء ، ورائدهم في ما يفعلون ابتغاء مرضاته ، ومن أجل هذا يجتمعون ويتقاسمون ما تمنحه لهم الطبيعة ؛ لذا تختفي مظاهر التبعية التي تدفع بعضهم إلى الرغبة في السيطرة على الآخرين ، والإضرار بهم ، ولا يبقى في القلب سوى حب الخير . ا . هـ .
قلت يا ليت الليبراليين يعتقدون هذا الكلام عن الخالق سبحانه ((فهو مالكهم الذي يوجههم كيفما شاء ، ورائدهم في ما يفعلون ابتغاء مرضاته))
وبهذا المفهوم السابق يستوي دعاة الحق والفضيلة مع دعاة الباطل والرذيلة ، وتتحول الدولة إلى غابة أو صحراء موحشة ، وسيكون السواد الأعظم من الشعب أتباعا للأهواء ، فلا يتحقق التقدم المنشود لا في مجال السلوك والأخلاق ولا في مجال العلوم والفنون .
أقول لدعاة الليبرالية إن الإسلام هو دين التحرير القويم ، دين يحرر العبيد بعبادة خالقهم الذي هو أعلم بما يصلحهم  ((أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)) (14 الملك) ، ولا يأسرهم بقيود الشبهات والشهوات كما فعلت الليبرالية الحديثة فلا صلحت الدنيا ولا بقيت الآخرة ، ولما سأل رستم زعيم فرس الصحابيَ الجليل ربعي بن عامر - الذي أرسله سعد بن أبي وقاص إلى فارس- عن سبب مجيء المسلمين إلى الفرس, فقال لهم: الله ابتعثنا والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله, ومن ضيق الدنيا إلى سعتها, ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام .

الكــاتــب

    • مشاركة

هناك تعليق واحد:

  1. eToro صفقات التداول المفتوحة في 227,585,248

    اكتشف eToro شبكة التداول الاجتماعي الرائدة في العالم حيث يحقق ملايين المستخدمين أرباحًا عن طريق نسخ تصرفات التداول التي يقوم بها أفضل المتداولين.

    ردحذف

جميع الحقوق محفوظة لــ مَقْرَأَةُ الدُّرَّة الْمُضِيَّة العالمية للعلوم العربيّة والإسلاميّة 2019 ©