خطبة الجمعة "الدين المعاملة.. جوهر الإسلام وطريق انتشاره" - أ.د.إسماعيل بن إبراهيم الشرقاوي.
المقدمة:
الحمد لله الذي بعث سيدنا محمداً بالهدى ودين الحق، ليتمم مكارم الأخلاق، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل حسن الخلق أثقل ما يوضع في الميزان، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، كان خلقه القرآن. أما بعد:
فإن الإسلام ليس مجرد طقوس تُؤدى، بل هو منهج حياة يُعاش، وقيم تتجسد في سلوك المسلم مع غيره، ولقد لخص العلماء جوهر هذا الدين في عبارة بليغة: "الدين المعاملة".
المحور الأول: مفهوم "الدين المعاملة" في الوحيين
إن العبادات في الإسلام شُرعت لتهذيب السلوك؛ فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والزكاة طهارة للنفس.
* يقول الله تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}، فلم يقل للمسلمين فقط، بل للناس أجمعين.
* ويقول النبي ﷺ: "أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً".
فالمسلم الحقيقي هو من يسلم الناس من لسانه ويده، وهو الذي يعامل الخلق بخلق الحق، فتظهر سماحة دينه في بيعه وشرائه، وغضبه ورضاه.
المحور الثاني: الجهاد دعوة.. وكيف انتشر الإسلام بالقدوة؟
حتى "ذروة سنام الإسلام" وهو الجهاد، لم يُشرع للقتل أو التشفي، بل شُرع لفتح الطريق أمام دعوة الناس وتأمين وصول الحق إليهم.
* الوصية النبوية: حين بعث النبي ﷺ علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى خيبر، قال له: "انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام.. فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم". فالمكسب الحقيقي في الإسلام هو "إحياء القلوب" بالهداية، لا إزهاق الأرواح.
* تاريخياً: لم يفتح المسلمون القلوب بالسيوف، بل فتحوها بالأمانة؛ فقد وصل الإسلام إلى أقاصي آسيا وأفريقيا عبر "التجار الصادقين" الذين لم يغشوا ولم يظلموا، فسأل الناس: "ما هذا الدين الذي يمنعكم من الظلم؟" فدخلوا في دين الله أفواجاً إعجاباً بهذه المعاملة.
*أمثلة سريعة*
1️⃣مصر مثلا
تشير أغلب الدراسات الرصينة، ومنها دراسة "ريتشارد بوليت" في كتابه (Conversion to Islam in the Medieval Period)، إلى أن الإسلام أصبح دين الأغلبية (أي تجاوز 50%) في مصر في الفترة ما بين القرن التاسع ومنتصف القرن العاشر الميلادي (أي بعد حوالي 250 إلى 300 سنة من الفتح).
ولا يصح ان يقال أن هؤلاء اسلموا فرارا من الجزية اذ انها 0.5 % من نسبة الزكاة التي يدفعها المسلمون فهل يعقل ان يفر الانسان من دفع القليل جدا الى دفع الكثير ؟!
وكان عدد المصريين لحظة دخول جيش عمرو بن العاص رضي الله عنه بين 6 إلى 9 ملايين نسمة.
اليوم مصر 115 مليون ، نسبة المسلمين 90 % أي ما يتراوح بين 103.5 مليون الى 108 مليون مسلم تقريبا
2️⃣إندونيسيا 280 مليون ، نسبة المسلمين 87 % أي 243.6 مليون مسلم تقريبا.
3️⃣الأندلس
في ذروة الدولة الأموية (منتصف القرن العاشر الميلادي):
إجمالي السكان: يُقدر ما بين 7 إلى 9 ملايين نسمة.
عدد المسلمين: حوالي 80% من السكان في المناطق الخاضعة للحكم الإسلامي.
العدد التقديري: حوالي 5.6 إلى 7.2 ملايين مسلم في أوج الحضارة الأندلسية.
🟡وهناك أمثلة كثيرة كالهند والصين ...
المحور الثالث: شمولية المعاملة (بين الإخلاص والعدالة)
إن حسن المعاملة في الإسلام دستور يشمل القريب والبعيد، والمسلم وغير المسلم، وفي كل شؤون الحياة:
* في التعاملات المالية: وضع النبي ﷺ قاعدة الرقي في الوفاء فقال: "إنَّ خيارَكم أحسنُكم قضاءً" (أي أحسنكم أداءً للحقوق وردّاً للديون)، فلا يماطل ولا يؤذي من أحسن إليه.
* في التعامل مع غير المسلمين: حمى الإسلام حقوقهم بصرامة، فقال النبي ﷺ: "من آذى ذمياً فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله"، وفي رواية: "أنا حجيجه يوم القيامة". فأي رقي هذا الذي يجعل النبي ﷺ خصماً لمن يظلم غير المسلم!
حتى قال - عليه الصلاة والسلام - تبسمك في وجه أخيك صدقة
وقال : لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه
قال العلماء : أخيه الإنسان ؛ بدليل قول الله - تعالى - ((يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا)) وقال النبي- عليه الصلاة والسلام - في حجة الوداع مخاطبا الناس كافة : "إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ، كلكم لآدم وآدم من تراب".
* الإخلاص في أصعب الظروف: ويُروى أن علي بن أبي طالب واجه في إحدى المعارك مبارزاً، فلما تمكن منه، بصق الرجل في وجه علي رضي الله عنه، فترك علي سيفه فوراً وابتعد عنه! ولما سُئل عن ذلك قال: "لقد كنت أقاتلك لله، فلما بصقت في وجهي غضبت لنفسي، فخشيت إن قتلتك أن يكون ذلك انتصاراً لنفسي لا لله".
الخطبة الثانية: واجبنا اليوم
الخلاصة والتطبيق:
أيها المسلمون، إن العالم اليوم لا يقرأ المصحف بقدر ما يقرأ "سلوك المسلمين". إن التزامك بكلمتك، وأمانتك في عملك، وردك للحقوق لأصحابها، هو أكبر دعوة صامتة لهذا الدين.
فاتقوا الله في معاملاتكم، واعلموا أن المسلم "سفير" لدينه أينما حل وارتحل، فكونوا خير سفراء لدينكم بأخلاقكم.
الدعاء:
اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، واجعلنا هداة مهتدين، لا ضالين ولا مضلين.
واعلموا أن الله قد أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه ، ثم أمر به ملائكة قدسه ، ثم ختمه بجنه وإنسه فقال - سبحانه - :
((إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)) (سورة الأحزاب 56).
فأكثروا من الصلاة والسلام على سيدنا محمد ، طب القلوب ودوائها ، وعافية الأبدان وشفائها ، ونور الأبصار وضيائها . لا سيما ونحن في يوم الجمعة ، وقد قال النبي - عليه الصلاة والسلام - إنَّ من أفضلِ أيَّامِكُم يومَ الجمعةِ فيهِ خُلِقَ آدمُ وفيهِ قُبِضَ وفيهِ النَّفخةُ وفيهِ الصَّعقةُ فأكْثِروا عليَّ منَ الصَّلاةِ فيهِ ..
ولما قال له أبي بن كعب رضي الله عنه
: يا رسولَ اللهِ إني أُكثِرُ الصَّلاةَ عليك، فكم أجعلُ لك من صَلاتي؟ قال: "ما شِئتَ" قُلتُ: الرُّبُعَ؟ قال: "ما شِئتَ، فإنْ زِدتَ فهو خيرٌ لك" قُلتُ: فالنِّصفُ؟ قال: "ما شِئتَ، فإنْ زِدتَ فهو خيرٌ لك" قُلتُ: فالثُّلُثينِ؟ قال: "ما شِئتَ، فإنْ زِدتَ فهو خيرٌ لك" قُلتُ: أجعلُ لك صَلاتي كُلَّها؟ قال: إذًا تُكفى همَّكَ، ويُغفَرُ لك ذنبُكَ".
وفي هذا يقول الشاعر :
إذا كنت في هم وضيق وفاقة ... وأمسيت مكروبا وأصبحت في حرج
فصل على المختصر من آل هاشم ... وسلم فإن الله يأتيك بالفَرَج .
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم أحينا على دعوته وتوفتنا على ملته وسنته واحشرنا يوم القيامة في زمرته وأوردنا حوضه ولا تفتنا بعده واسقنا من يده الشريفة شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبدا
اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار
اللهم انصر المستضعفين في كل مكان
اللهم من أرادنا أو أراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير
ومن أرادنا أو أراد الإسلام والمسلمين بشر فاجعل كيده في نحره واجعل تدميره في تدبيره ، واجعل الدائرة عليه . حسبنا الله وكفى ، سمع الله لمن دعا ، ليس وراء الله مرمى ، من علا فالله أعلى ، من علا فالله أعلى ، من علا فالله أعلى .
اللهم اجعلنا من ورثة جنة النعيم ، دعواهم فيها سبحانك اللهم ، وتحيتهم فيها سلام ، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين .
سبحان ربك رب العزة عما يصفون ، وسلام على المرسلين ، والحمد لله رب العالمين ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اذكروا الله العظيم يذكركم
واشكروه على نعمه يزدكم
واستغفروه يغفر لكم
ولذكر الله أكبر ، والله يعلم ما تصنعون .
وأقم الصلاة .
أ.د.إسماعيل بن إبراهيم الشرقاوي
Passion International University in the USA
Website: WWW.USA.EDU.EU
Email: rector@usa.edu.eu
WhatsApp: +16025366022
ليست هناك تعليقات: