موضوع عشوائي

آخر المواضيع

سلسلة نقولات وذكريات في فضل من علم الناس ومات - الوالد الأستاذ إبراهيم الشرقاوي (الرجل العصامي) - رحمه الله - 2

 بسم الله الرحمن الرحيم 


وظل الوالد وحيدًا في الجزائر لمدة سنتين تقريبًا ، حتى يسر الله له الزواج - وهو ابن الواحد والأربعين - بأعجوبة قدرية ؛ شاء الله أن يتقدموا للسيد : سيد أحمد فراج ، وكان يعمل حاجبًا بالمحكمة في بنها - القليوبية ؛ لخطبة ابنته فادية ، وجرت العادة قديمًا أن أهل الخاطب إذا أرادوا أن يخطُبوا لابنهم من بلدة بعيدة يقيمون مع أهل المرأة مدة من الزمن ؛ ليعرفوا أخلاق المرأة ومدى تربيتها ، وكان المتقدم للزواج في الأصل هو عمي عبد الله - يرحمه الله - ، ولكن لم يحدث التوافق المطلوب بين الطرفين ، فقال الأستاذ إبراهيم لأبيه "يا أبي إذا كان عبد الله لا يريد الزواج بهذه المرأة ، فأنا أريد أن أتزوج بها" ، وفعلا تقدم إليها ، وهي الأستاذة فادية سيد أحمد فراج - حاصلة على ليسانس آداب - قسم فلسفة ، وكانت حينئذ تعمل أمينة مكتبة بمدرسة الألفي بمنيا القمح - الشرقية - وتم القبول والزواج بحمد الله وتوفيقه سنة 1973 م ، ثم اصطحبها معه إلى الجزائر ، وأكرمهما الله هناك بالأبناء والبنات : سارة وهاجر ومحمد والخليل ، وأما (إسماعيل) فهو الوحيد الذي ولد في مصر - بنها ، على يد خاله د.عبد القادر فراج ، لما كان الوالدان في عطلة وزيارة لمصر ، وتم تسجيلي رسميًّا في إكوه ، وقد عشت في الجزائر أربع سنوات تقريبًا ، وما تزال بعض الأشياء تعلق في ذاكرتي منذ ذلك الزمان ، وزرت المغرب في تلك الفترة مع أمي وزوج عمي . ويسر الله للوالدين زيارة بعض الدول كفرنسا .
وداوم الوالد والوالدة على العمل بجد وكفاح في الجزائر ، وكانا ينتقلان من مدينة إلى أخرى (سنجاس - تيرت - باتنة - تيس مسيلت - برج بونعامة ...) ، وقد أشرت إليها في هذه الكلمات :
بتيرت وبتنة ، سِنْجاسِ ... ومِسِيلت نعامةِ أعراسي
ذي بلادُ الشُّهْد (جمع شهيد) كذا الشَّهْدِ ... رُبِّيتَ عليها في المَهْدِ
ولعل إلهي أن يهدي ... بوِصَال زمانٍ كالعَهْدِ
والصلح قريب يا ناسي ... ستزول حدود الوسواس
إن كنا لوحْيٍ نستصحب ... لا مكرَ عدوٍّ مستخرِب



وظلا يجددان عقديهما والزمان يمضي حتى كَبِرَ طلابهم ، وصار بعضهم زملاءَ لهم في التعليم ، وحدثت الجَزْأَرَة (استبدال المعلمين الجزائريين بذوي الجنسيات الأخرى) ، فانتهت إقامتنا جميعًا في الجزائر سنة 1988 م ، ورجعنا إلى أرض الوطن مصر .
وبعد العودة قرر الوالد عدم الالتزام بأي عمل رسمي (حكومي أو خاص) ، وتفرغ لفعل الخيرات (صلة الرحم ، والصدقة ...) ، وتفرغ للقرآن الكريم دراسةً وترجمةً لمعانيه ، وتعليمًا لنا ، وكان يحب رياضة المشي ، حتى إنه كان يقطع عشرات الكيلو مترات ماشيًا على قدميه (وكان يصحبني معه أحيانًا ، حتى مشينا يومًا من إكوة إلى صفط زريق) ، وكان غالبًا يحب المشي بين إكوه والزقازيق ، من طريق الحقول الزراعية في آخر البلد (ما لا يقل عن 11 كيلو ذهابًا ومثلها إيابًا) ، حتى مشى إلى القاهرة في بعض الأيام ، وكان أثناء مشيه يتفكر في خلق السماوات والأرض ، ويكثر من التسبيح والتحميد والتهليل كما قال الله - تعالى - :
((الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)) (آل عمران 191) .
 صورة الوالد الأستاذ إبراهيم الشرقاوي مع أخيه المقرب ورفيق دربه الأستاذ عبد الله الشرقاوي - رحمهما الله - (14)
 
وذات يوم ذهب مع أخيه ورفيق دربه الأستاذ عبد الله إلى المقابر لتشييع جنازة أحد أبناء البلدة ، ولما رجعا وأراد أن يعبر الطريق ؛ ليعزي بعض المصابين جاء قدر الله ، فصدمته سيارة ، فلقي الله بهذه النية الطيبة ، ونجا عمي عبد الله ، وكان ذلك في مثل هذا الأيام 21 - 02 - 1998 م ، سبحان الله ! تسع عشرة سنة مرت كالريح الخاطف ، وكنت يومها في الصف الثالث الإعدادي (مدرسة طارق أبو العطا) ، وسمعت صوت السيارة ؛ لقرب المدرسة من الطريق العمومي ، ولم أعرف ما وقع إلا بعد خروجي من المدرسة من أحد زملائي ، قال "ما اسم والدك" ؟  كانت الصدمة شديدة ، ولكن الحمد لله ، لعل الله اختاره شهيدًا ؛ لأن خروجه وسيره في سبيل الله - تعالى - ، نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدًا ، ونحن نستبشر بحديث النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - حين قال لبعض أصحابه - رضي الله عنهم - : «مَا تَعُدُّونَ الشَّهِيدَ فِيكُمْ؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، قَالَ: «إِنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِي إِذًا لَقَلِيلٌ» ، قَالُوا: فَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي الطَّاعُونِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي الْبَطْنِ فَهُوَ شَهِيدٌ» ، وفي رواية «وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ» . (15)

نسأل الله أن يتقبله في عباده الصالحين ، وأن يرحمنا إذا صرنا لما صاروا إليه .

 
بعض ما تعلمت من الوالد - رحمه الله - :

1-القرآن ، ذهب بنا الوالد أولا إلى الشيخ علي الأقرع - رحمه الله - ، وكان كُتَّاب القرية قديما يجمع الصبية من شتى المستويات ، وبعضهم لا يعتني بالنظافة ، ومع القسوة المعتاة لشيخ الكُتَّاب في ضرب غير الحافظين بالفَلَكَة (يسمونها في المغرب بالفلقَة) ، فتركنا الكُتَّاب ، وكان الوالد - رحمه الله - يحدد لنا موعدًا يوميًّا لتلاوة القرآن الكريم مع بيان أحكام التجويد ، وتفسير المعاني ، حتى حفظنا القرآن وكالعادة الصغار لا يحبون هذه المجالس بكثرة ، فكان بعضنا يهرب ، حتى قالت لنا الوالدة "الآن أنتم لا تريدون أن تحفظوا ، ولكن لن تعرفوا قيمة هذه المجالس إلا لما تكبَرُوا" ، وصدقت - حفظها الله - وقد كان . 



2-صلة الرحم ، فقد كان يحرص على زيارة أقاربه ، ويحثنا على ذلك .

3-المبادئ والقيم ، كان كثيرا ما يقول أنا رجل صاحب مبادئ ، وقد رأيت ذلك بعيني في شخصه الكريم ، وقرأته في بعض مذكراته ، من مواقفه الحازمة مع أصحاب الأهواء . وكان له موقف رافض من انقلاب 23 يوليو 1952 م ( المسمى بثورة الضباط الأحرار) على النظام الملكي الحاكم لمصر حينئذ .